قراصنة وأباطرة الإرهاب الدولي

تأليف : نعوم تشومسكي

 يروي القديس أوغسطين قصة قرصان وقع في اسر الاسكندر الكبير الذي سأله " كيف يجرؤ على إزعاج البحر " كيف تجرؤ على إزعاج العالم بأسره ؟ فأجاب القرصان : " لأنني افعل ذلك بسفينة صغيرة فحسب ادعى لصا و أنت الذي يفعل ذلك بأسطول ضخم تدعى إمبراطور ". جواب القرصان كان " أنيقا و ممتازا " يقول القديس أوغسطين. فهو يلتقط بدقة معينة العلاقة الراهنة بين الولايات المتحدة و مختلف اللاعبين الصغار على مسرح الإرهاب الدولي: ليبيا، فصائل من منظمة التحرير الفلسطينية، و غيرهما. و بشكل أكثر عمومية فقصة القديس أوغسطين تلقى الضوء على معنى مفهوم الإرهاب الدولي في الاستعمال الغربي المعاصر، و تصل إلى قلب السعار الذي يثار حول أحداث مختارة من الإرهاب بشكل منسق حاليا و بدرجة عالية من الكلبية كغطاء للعنف الغربي.

قراصنة واباطرة و مصطلح " الإرهاب " دخل الاستعمال في نهاية القرن الثامن عشر ليشير بشكل رئيسي إلى أعمال العنف التي تقوم بها الحكومات و المصممة لتأمين الخضوع الشعبي و ببساطة فذلك المفهوم قليل الفائدة للذين يمارسون إرهاب الدولة و الذين عبر إمساكهم بزمام السلطة فهم في موقع يمكنهم من السيطرة على نمط التفكير و التعبير و عليه فالمعنى الأساسي تم التخلي عنه و مصطلح " الإرهاب " أصبح يطلق أساسا على " الإرهاب بالتجزئة " للأفراد و المجموعات و بينما كان المصطلح ذات مرة يطلق على الأباطرة الذين يزعجون رعاياهم بالذات و العالم فإنه الآن أصبح مقتصرا على اللصوص الذين يزعجون الأقوياء . و تحريرا لأنفسنا من نظام التعبئة العقائدية فإننا سنستعمل مصطلح " الإرهاب " للدلالة على التهديد بالعنف أو استعماله للتخويف و الإكراه ( عموما لأهداف سياسية ) سواء منه إرهاب الجملة الخاص بالأباطرة أو إرهاب التجزئة الخاص باللصوص. و قول القرصان المأثور يفسر بشكل جزئي فحسب مفهوم " الإرهاب الدولي " كما تطور حديثا.

و من الضروري إضافة ملمح آخر: العمل الإرهابي يكتسب الشرعية فقط عندما يقوم به " الطرف الآخر " و ليس نحن. تأمل على سبيل المثال حملة العلاقات العامة حول " الإرهاب الدولي " التي أطلقتها إدارة ريغان في بداية العام 1981. و النص الرئيسي كان كتابا لكيلر ستيرلنغ قدم برهانا عبقريا على أن الإرهاب الدولي هو أداة " بوحي سوفاياتي، ترمي إلى زعزعة المجتمع الديمقراطي الغربي ". و البرهان هو أن الأعمال الإرهابية الكبيرة محصورة في الدول الديمقراطية الغربية و ليست " موجهة ضد الاتحاد السوفياتي أو الدول التابعة له و الدائرة في فلكه " و هذا التبصر النافذ قد أعجب كثيرا منظرين آخرين للإرهاب خاصة ولاتر لاكور الذي كتب أن ستيرلنغ قد قدمت " إثباتا وفيرا " على أن الإرهاب يحصل " بشكل كلي في البلدان الديمقراطية " إن أطروحة ستيرلنغ صحيحة و في الحقيقة فإنها صحيحة بالتعريف استنادا إلى الطريقة التي استخدم بها الإمبراطور و بطانته الموالية مصطلح " الإرهاب ". و لما كانت تلك الأعمال التي يقوم بها " الجانب الآخر " فقط يمكن اعتبارها إرهابا فانه يترتب عليه أن ستيرلنغ كانت مصيبة مهما كانت الحقائق و في العالم الحقيقي القصة مختلفة تماما. فالضحايا الرئيسيون للإرهاب الدولي في العقود العدة الأخيرة كانوا الكوبيين سكان أمريكا الوسطى و لبنان و لكن بحسب التعريف ليس بينهم من يدخل في الحساب. 

كتب مختارة